سيد قطب
2001
في ظلال القرآن
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم يتألف هذا الجزء من بقية سورة يوسف المكية ، ومن سورتي الرعد وإبراهيم المكيتين أيضا . فهو جزء كامل من القرآن المكي ؛ بكل خصائص القرآن المكي « 1 » . فأما سورتا الرعد وإبراهيم فسنعرّف بهما - إن شاء اللّه - في موضعهما . وأما بقية سورة يوسف ، فنرجو أن يراجع قبل قراءتها في هذا الجزء ما سبق من التعريف بالسورة في الجزء الماضي . إننا نستقبل في هذا الجزء بقية قصة يوسف ، والتعقيبات المباشرة عليها ؛ ثم التعقيبات الأخيرة في السورة . . وكذلك نستقبل فيه مرحلة جديدة من مراحل حياة الشخصية الأساسية في القصة - شخصية يوسف عليه السلام - ومع امتداد هذه الشخصية واستقامتها على المقوّمات الأساسية لها - تلك التي مر ذكرها في التعريف بشخصيات القصة في التقديم للسورة « 2 » ، فإننا نجد في هذه المرحلة الجديدة ملامح جديدة تبرز - هي امتداد طبيعي واقعي لنشأة الشخصية وللمرحلة السابقة من حياتها ولكنها مع ذلك ذات طابع مميز . . نجد شخصية يوسف - عليه السلام - وقد استقامت مع نشأتها والأحداث التي مرت بها ، والابتلاءات التي اجتازتها ، في ظل التربية الربانية للعبد الصالح ، الذي يعد ليمكن له في الأرض ، وليقوم بالدعوة إلى دين اللّه وهو ممكن له في الأرض ، وهو قابض على مقاليد الأمور في مركز التموين في الشرق الأوسط ! وأول ملامح هذه المرحلة هذا الاعتزاز باللّه ، والاطمئنان إليه ، والثقة به ، والتجرد له ، والتعري من كل قيم الأرض ، والتحرر من كل أوهاقها ، واستصغار شأن القوى المتحكمة فيها ، وهو ان تلك القيم وهذه القوى في النفس الموصولة الأسباب باللّه - سبحانه وتعالى ! تبدو هذه الظاهرة الواضحة في موقف يوسف ، ورسول الملك يجيء إليه في سجنه يبلغه رغبة الملك في أن يراه . . فلا يخف يوسف - عليه السلام - لطلب الملك ؛ ولا يتلهف على مغادرة سجنه الظالم المظلم إلى رحاب الملك الذي يرغب في لقائه ؛ ولا تستخفه الفرحة بالخروج من هذا الضيق . ولا تتجلى هذه الظاهرة - وما وراءها من التغيرات العميقة في الموازين والقيم والمشاعر في نفس يوسف
--> ( 1 ) تراجع مقدمة سورة الأنعام في الجزء السابع ، ومقدمة سورة يونس في الجزء الحادي عشر ، ومقدمة سورة هود في الجزء الثاني عشر . ( 2 ) ص 1951 - 1963 من الجزء الثاني عشر من هذه الطبعة المنقحة . « دار الشروق » .